قد يكون التاريخ من اكثر المواد الغير مرغوب فيها عند طلبة الجامعات
والمدارس، فهو يعتبر ـ عندهم ـ شيئاً لا فائدة منه بالمقارنة مع غيره من
العلوم، فالكيمياء ـ مثلاً ـ تفيدنا في تعلم الطب، وبالتالي في حماية
الناس وعلاجهم من الأمراض، والفيزياء تفيدنا في الهندسة والبناء. ولكن، ما
هي فائدة التاريخ؟

المؤرخ العظيم ثيسيديدس الأثيني
في
العصر الحديث تواجه الإنسانية، عدة مشاكل تهدد حاضرها ومستقبلها، أهمها
الحفاظ على السلم في العالم ـ خصوصاً مع تطور الأسلحة وتعاظم تأثيرها في
القتل والدمارـ والحفاظ على البيئة، ومكافحة الجوع والفقر والبطالة، والحد
من التفاوت الاجتماعي. مع هذه التحديات الكبرى، لا تزال الأموال تصرف
لدراسة التاريخ في المدارس والجامعات والمؤتمرات العلمية، وكذلك في نشر
وطباعة البحوث، كما تصرف الأموال الطائلة لتمويل بعثات التنقيب عن الآثار
وحفظها وصيانتها وتأمين الحماية الأمنية لها، فهل تستحمل البشرية إهدار
الأموال فيما لا جدوى منه؟ وإذا كانت هناك جدوى فأين تكمن؟ وكيف يمكن أن
تساهم دراسة التاريخ في حل مشاكل البشرية؟ بهذه التساؤلات يستهل أناتولي
راكيتوف كتابه المعرفة التاريخية .
في الواقع، يمثل
التاريخ مستودعاً وسجلاً ضخماً لتجارب البشرية منذ بداية التاريخ. يقال أن
أديسون أجرى مئات التجارب قبل ان ينجح في اختراع المصباح الكهربائي. هذه
التجارب الفاشلة هي التي أدت في النهاية إلى نجاح في اختراع المصباح، فلو
لم ينظر أديسون في تجاربه الفاشلة وحرص على عدم تكرارها لما نجح.
يقول علماء النفس أن العمل عندما يُنجز للمرة الأولى يلاقي الإنسان فيه
مقداراً من الصعوبة، وتقل الصعوبة شيئاً فشيئاً كلما تكرر إنجاز العمل،
وهذا ما يعبر عنه بالخبرة، وما التاريخ إلا تجارب وخبرات، ومن لا يعود
للتاريخ لا بد أن يكرر أخطاءه، ومن يكرر أخطاءه لن يتطور أبداً.
حفظ الهوية
في إطار الإجابة عن التساؤلات السابقة الذكر، يشبه راكيتوف دور المعرفة
التاريخية في المجتمع بدور الذاكرة عند الفرد، فالإنسان عندما يفقد ذاكرته
يفقد وعيه بذاته، وبالتالي يفقد هويته، ومن يفقد هويته يصبح دوره مشلولاً
في المجتمع. من هنا، يقرر راكيتوف أن وظيفة التاريخ ـ بشكل عام ـ تتمثل في
تطوير الوعي الذاتي الاجتماعي، حيث تقوم المعرفة التاريخية بتهيئة الشروط
الضرورية لوعي الأمة بذاتها كمجتمع له خصوصياته التي تميزه عن باقي
المجتمعات البشرية.
في واقعنا المعاش، نرى أن التعددية الثقافية
أصبحت مهددة في ظل الانتشار المتزايد للنمط الثقافي الغربي ـ الأمريكي بشكل
خاص ـ وذلك ناتج عن عدة عوامل، من هذه العوامل ضعف الوعي الذاتي ـ كما هو
رأي الكاتب ـ وبالتالي نحن نحتاج إلى تفعيل دور التاريخ في هذا المجال لحفظ
التعددية الثقافية من آفة العولمة .
دعم المنظومة الاجتماعية
يقوم كل مجتمع على منظومة من القيم والتقاليد ناتجة على التفاعلات
الاجتماعية والثقافية في تاريخ كل مجتمع، حيث تقدم الذاكرة التاريخية
الاجتماعية نماذج من الأمور المميزة والمرغوب فيها بحسب معايير ومقاييس كل
المجتمع، هذه الأمور المميزة تتجسد بوضوح في قواعد السلوك السليم والمفضل
عند المجتمع، حيث يعزز التاريخ المنظومة الثقافية للمجتمع بنماذج من السلوك
المميز لبعض الشخصيات المميزة والمحترمة عند هذا المجتمع، ليكون ذلك
عاملاً مساعداً في تعزيز هذه المنظومة، إذ تشكل هذه النماذج مقياساً للسلوك
الحسن.
يلاحظ راكيتوف مشكلةً في أداء هذه الوظيفة، حيث أن
التاريخ عندما يكتب لهذا الغرض، يكتب من خلال آراء ومقاييس مختلفة، فتظهر
الأمور الحسنة وتخفي السيئة بحسب المعيار الذي يستخدمه الكاتب، وذلك من
خلال تسليط بقعة ضوء على ما يريد الكاتب بيانه وإبقاء بقية الجوانب في
دائرة الظلام .
ويكمن الخلل في تقديم الشخصيات التي تمثل السلوك
الحسن في صورة مثالية بحتة، هذه الصورة المثالية البحتة إذا ظهرت بصورتها
الواقعية من خلال تسليط الضوء على كل جوانب سلوكها ستسقط قيمتها إذا
اكتشفنا أن بقية الجوانب السلوكية منافية للقيم السائدة في المجتمع،
وبالتالي سيؤدي ذلك إلى فقدان دورها وقيمتها في المنظومة الاجتماعية وإذا
تم الإصرارعلى بقائها ضمن هذه المنظومة فقد يعارضها بعض أفراد المجتمع
باعتبار أن اتخاذ هذه الشخصيات كمقياس أو مثال للسلوك المفضل يمثل تناقضاً
في المنظومة.
دعم الحراك السياسي
للتاريخ دور كبير في دعم الحراك السياسي سواء على الصعيد الدولي أو في
داخل الدولة نفسها، من خلال ارتباط السياسة الوثيق بالقوانين، يرى راكيتوف
أن الخصوم السياسيين يلجئون إلى المعرفة التاريخية لتدعيم مواقفهم
السياسية، سواء من خلال إدعاء حق ما، أو من خلال الاستفادة من التجارب
الموجودة في التاريخ لطرق استخدمت لمعالجة قضايا سياسية سابقة لها ما
يشبهها في الواقع المعاش.
هنا يجب أن نلاحظ أن استغلال التاريخ
لإثبات الحقوق قد يمثل ـ أحياناً ـ تلاعباً التاريخ فإذا كانت الحقيقة
التاريخية (النسبية) تدعم طرفاً ما، فإنه سيستغلها لدعم موقفه، و إذا حدث
العكس، فإن هذا الطرف سيلجأ للتلاعب بالتاريخ، إما عبر الكذب والإدعاءات،
أو عبر الالتفاف على الحقيقة من خلال التحليل والتأويل بما يدعم موقفه، أو
من خلال اجتزاء الحقيقة التاريخية ـ النسبية ـ و أخذ ما يخدم موقفه فقط أو
ربما تصل الامور إلى حد إختلاق احداث غير واقعية والترويج لها كتاريخ
حقيقي، وفي هذا الميدان تعد القضية الفلسطينية مثالاًُ واضحاً، حيث يحاول
الإسرائيليون إثبات حقهم التاريخي في ارض فلسطين عن طريق ايجاد بعض اللقى
الأثرية سواء بالبحث أو عن طريق التزوير، وتضخيم قضية المحرقة وغيرها من
أساليب التلاعب بالتاريخ.
استشراف المستقبل
الإنسان قادر على تخطيط أفعاله، وبما أن التخطيط لا يكون إلا لشيء غير
موجود يراد إيجاده مستقبلاً، فلا بد من إيجاد تصور للمستقبل، وهذا التصور
يمكن أن تساهم فيه المعرفة التاريخية من خلال ما تحويه من حوادث ومواقف
تاريخية متكررة نسبياً .
غير أن راكيتوف يرى أن هذا التكرار غير
كافٍ للاعتماد عليه كأساس لاستشراف المستقبل، بل يرى أن من الواجب تأمين
الدقة لنقل المعلومات من الماضي الغير موجود، إلى الحاضر المراد إيجاده.
وأن الدقة في المعرفة التاريخية من عدمها ستؤثر في الناتج المراد إيجاده،
وجدوى المعرفة التاريخية في التخطيط لعمل ما تتضح في الناتج العملي وليس
النظري.
راكيتوف، أناتولي: المعرفة التاريخية، ترجمة حنا عبود. دار دمشق، دمشق، 1987م.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق